محمد حسن بن معصوم القزويني
57
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
الحقيقي بين الطرفين الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين ، وهو أدقّ من الشعر ، والذي يطلب غاية البعد من الطرفين يطلب الوسط ، فلو فرض حلقة حديدة محاطة بالنار وقعت فيها نملة وهي تهرب بطبعها من الحرارة ، فلا تهرب إلّا إلى المركز لأنه غاية بعدها عن المحيط المحرق وهو الوسط ولا عرض لتلك النقطة ، فإذن الصراط المستقيم الذي لا عرض له أدقّ من الشعر ، ولذا خرج عن الطاقة البشريّة الوقوف عليه ، فلا جرم يرد أمثالنا النار . وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا . « 1 » قال تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ . « 2 » فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي حكاه اللّه عزّ وجل لنبيّه بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ . « 3 » مرّ على صراط الآخرة من غير ميل . وفي الخبر : يمرّ المؤمن على الصراط كالبرق الخاطف . ولعلّ ما أشرنا إليه في توجيه تجسّد الأعمال يؤكد ذلك ويحقّقه ، ولا ينافيه ما أجمع عليه علماء الشيعة من جسميّة الصراط ، لأنّ إرادة المعاني الكلّية من الألفاظ أوفق بمقتضى الحكمة ، فالقلم اسم لما ينقش به الصور على الألواح أعم من أن يكون الانتقاش محسوسا أم معقولا وآلته قصبا أم حديدا أم غيرهما ، واللوح خشبا أم قرساطا أم غيرهما ، والميزان اسم لما يوزن به الأشياء سواء وزنت به الأجرام والأثقال كذي الكفّتين أو المواقيت كالاسطرلاب أو الدوائر كالفرجار أو الأعمدة كالشاقول أو الخطوط كالمسطر أو الشعر كالعروض أو العلم كالمنطق أو كل الأشياء كالعقل ، وعلى هذا القياس سائر الألفاظ .
--> ( 1 ) مريم : 71 . ( 2 ) النساء : 129 . ( 3 ) الأنعام : 153 .